تيلي48 :
كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تشخيص وطني معمق لواقع السلوك المدني داخل الفضاءات العمومية، عن وجود تباين واضح بين تنامي الوعي المجتمعي بأهمية احترام الفضاء العام واستمرار عدد من السلوكيات السلبية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية للمواطنين.
وأوضح المجلس، في رأيه حول موضوع “السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة”، الذي تم تقديمه يوم الأربعاء 10 يونيو 2026، أن مظاهر مثل رمي النفايات، وتخريب الممتلكات العمومية، والعنف، والتحرش، وعدم احترام قوانين السير، ما تزال تشكل تحديات حقيقية رغم التحسن النسبي المسجل في إدراك المواطنين لأهمية السلوك المدني.
واعتمد التقرير على بحث ميداني شمل عينة مكونة من 1012 مواطناً، أظهر أن 59 في المائة من المستجوبين يرون أن السلوك المدني بالمغرب يشهد تحسناً نسبياً، غير أن الممارسات اليومية تعكس استمرار اختلالات مقلقة. وتصدرت ظاهرتا رمي النفايات وتخريب الممتلكات العمومية قائمة السلوكيات السلبية بنسبة 77 في المائة، تليهما مظاهر العنف والتحرش بنسبة 74 في المائة، ثم الفوضى وعدم احترام قانون السير بنسبة 40 في المائة.
وسجل التقرير ارتفاعاً ملحوظاً في مؤشرات العنف، حيث انتقلت القضايا المسجلة من 46 ألفاً و553 حالة سنة 2023 إلى أكثر من 60 ألف حالة سنة 2024، كما ارتفعت قضايا التحرش إلى 2657 حالة خلال الفترة نفسها.
وفي مجال السلامة الطرقية، أشار المجلس إلى أن معدل الوفيات بلغ 10.5 حالات لكل 100 ألف نسمة خلال سنة 2024، مبرزاً أن الراجلين ومستعملي الدراجات النارية يمثلون أكثر من ثلثي ضحايا حوادث السير، وهو ما يكشف عن هشاشة شروط السلامة داخل الفضاء الطرقي.
كما سلط التقرير الضوء على ظاهرة الشغب الرياضي، حيث تم تسجيل 643 قضية مرتبطة بالعنف داخل الملاعب سنة 2023، توبع على إثرها 1030 شخصاً، قبل أن ينخفض العدد إلى 353 قضية سنة 2024. وأرجع المجلس هذه الظاهرة إلى عوامل اجتماعية ونفسية مرتبطة أساساً بفئات من الشباب تعاني من الهشاشة وضعف الاندماج المدرسي والاجتماعي.
وفي تشخيصه لأسباب استمرار هذه السلوكيات، اعتبر المجلس أن السياسات العمومية الحالية تعاني من ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، إلى جانب تراجع أدوار مؤسسات التنشئة التقليدية، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، مقابل تنامي تأثير الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
كما سجل محدودية أداء الشرطة الإدارية الجماعية بسبب نقص الموارد والإمكانات القانونية، إضافة إلى تعثر تفعيل بعض النصوص القانونية، من بينها قانون منع التدخين بالأماكن العمومية الذي لم تصدر نصوصه التطبيقية رغم مرور سنوات على اعتماده.
ولتجاوز هذه الاختلالات، أوصى المجلس بإطلاق مشروع وطني متكامل وميثاق مرجعي للسلوك المدني يقوم على مقاربة تشاركية مندمجة، مع ربطه بالتحضيرات الجارية لاستضافة التظاهرات الدولية الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
وشددت التوصيات على ضرورة تحديث منظومة العقوبات عبر اعتماد بدائل ذات طابع تربوي وتأهيلي، مثل العمل للمصلحة العامة والبرامج الإصلاحية، إلى جانب إعداد مدونة وطنية للسلوك داخل المرافق العمومية، وتعزيز ثقافة القدوة وجودة الاستقبال.
كما دعا المجلس إلى تحديث الفضاءات الرياضية عبر الرقمنة وتعميم التذاكر الذكية واعتماد تقنيات المراقبة الحديثة، فضلاً عن إعادة هيكلة قطاع النقل العمومي وتقنين تطبيقات النقل الذكية والرفع من جودة التكوين والخدمات المقدمة للمواطنين.
وخلص التقرير إلى أن السلوك المدني لم يعد مجرد مسألة أخلاقية أو قيمية، بل أصبح ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز جاذبية المغرب وتنافسيته، مؤكداً أن أفق سنة 2030 يشكل فرصة حقيقية لترسيخ نموذج حضري أكثر انضباطاً واحتراماً للفضاء العام.
