من أنتم؟ سؤال يكشف أن صاحبه لم يفهم المحاماة رغم ثلاثة عقود من ممارستها

تيلي48:

الأستاذ إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
ليست كل الكلمات التي تصدر عن المسؤولين العموميين مجرد عبارات عابرة تنتهي بانتهاء المناسبة التي قيلت فيها، فهناك كلمات تكشف ما هو أبعد من الموقف السياسي الآني، وتفضح أحيانا طبيعة التصور الذي يحمله صاحبها تجاه المؤسسات والأشخاص والقيم التي يفترض فيه أن يحميها. ومن هذا القبيل، تأتي العبارة التي اختار وزير العدل أن يخاطب بها المحامين حين قال: “من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟”.
هذه العبارة قد تبدو للبعض مجرد رد سياسي في خضم أزمة بين الوزارة والمحامين حول مشروع القانون المنظم للمهنة، لكنها في الحقيقة تكشف أمرا أكثر خطورة، لأنها صادرة عن شخص مارس المحاماة لأكثر من ثلاثة عقود، ومع ذلك يبدو أنه لم يدرك إلى اليوم من هم المحامون وما هي المحاماة.
فالوزير بدأ ممارسة المهنة سنة 1993 بعدما أدى قسمها، واستظل بتاريخها ورمزيتها على مدى أكثر من ثلاثين سنة قضاها بين المحاكم والملفات والجلسات، لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس من هم المحامون؟ بل ماذا تعلم صاحب هذا التصريح من المحاماة طوال هذه العقود؟
ومن المفارقات التي يصعب تجاهلها أن سنة 1993 نفسها، التي كانت بداية المسار المهني للسيد الوزير داخل المحاماة، شهدت حدثا بالغ الدلالة في تاريخ المهنة، ففي المؤتمر العام لاتحاد المحامين العرب المنعقد بالدار البيضاء، خاطب جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني المحامين بكلمات ظلت محفورة في ذاكرة المحاماة المغربية والعربية (باستثناء ذاكرة المحامي الوزير) حين قال: “لو لم أكن في المنصب الذي أنا فيه لكنت دون شك فردا من أسرتكم النبيلة الشريفة المحترمة.”
لم تكن تلك عبارة بروتوكولية عابرة، بل كان ذلك تقديرا صادرا عن ملك البلاد لمكانة المحاماة ورسالتها ودورها في إقامة العدل وحماية الحقوق والحريات، وموقعها داخل الدولة والمجتمع.
إن المحامين الذين وُجه إليهم هذا السؤال ليسوا جماعة ضغط عابرة، ولا تنظيما موسميا ظهر بسبب خلاف حول مشروع قانون، بل إنهم مؤسسة ضاربة الجذور في تاريخ المغرب، وشريك أساسي في منظومة العدالة، وأحد أهم الضمانات التي تحمي حق المواطن في الدفاع والمحاكمة العادلة.
وإذا كانت اللقاءات التي عقدها رئيس الحكومة مع المحامين ليست سوى جلسات للتشاور وتبادل الآراء، وأن رئيس الحكومة لم يكن ملزما بأي التزام تجاه المحامين، فإن هذا الأمر يطرح سؤالا جوهريا حول قيمة الحوار المؤسساتي نفسه. فما جدوى الحوار إذا لم تكن نتائجه محترمة؟ وما معنى تدخل رئيس الحكومة لإنهاء أزمة مهنية إذا كان ما تم الاتفاق عليه يمكن التنصل منه لاحقا؟ وكيف يمكن بناء الثقة بين الدولة ومؤسساتها المهنية إذا أصبحت التفاهمات قابلة للنسف في أي لحظة؟
ربما لا يدعو هذا الموقف إلى الاستغراب، فمن لم ينجح خلال أكثر من ثلاثة عقود داخل المحاماة في أن يدرك من هم المحامون وما الذي تمثله المحاماة، من الطبيعي أن يعجز خلال ولاية حكومية واحدة عن استيعاب أخلاقيات المسؤولية السياسية التي لا تتوقف عند حدود ما يفرضه القانون، بل تمتد إلى احترام الكلمة المعطاة والوفاء بالالتزامات الأدبية والمؤسساتية، فالثقة هي الرأسمال الحقيقي للدولة، وحين تهتز هذه الثقة يصبح الحوار مجرد إجراء شكلي لا قيمة له.
إن المحاماة ليست بطاقة مهنية يحملها صاحبها ثم يتخلى عنها عندما يرتقي إلى منصب قد يتخيله أعلى، المحاماة رسالة وقيم وأخلاق وانتماء، ومن يفهم المحاماة حقا يدرك أن احترامها لا يسقط بتغير المواقع، وأن الوفاء لها لا ينتهي بمجرد الانتقال من قاعة المحكمة إلى مقعد الوزارة.
ولهذا فإن عبارة “من أنتم؟” لا تسيء إلى المحامين بقدر ما تسيء إلى صاحبها، لأنها توحي بأن ثلاثين سنة من ممارسة المحاماة لم تكن كافية لفهم جوهر هذه المهنة ورسالتها ومكانتها.
فالوزراء يأتون ويغادرون، والحكومات تتغير، والمناصب بطبيعتها مؤقتة وعابرة، أما المحاماة فباقية لأنها ليست مرتبطة بالأشخاص، بل بالدفاع عن الحقوق والحريات وبخدمة العدالة.
وسيأتي يوم يغادر فيه الجميع مواقع المسؤولية، ولن يبقى إلا ما سطره التاريخ من مواقف، وعندها لن يسأل التاريخ كم قانونا مرره هذا الوزير أو ذاك، بل سيسأل كيف تعامل مع المؤسسات التي كان يفترض فيه أن يحترمها، وكيف خاطب المهن التي كان يفترض فيه أن يكون أول المدافعين عنها.
أما المحامون، فلن يكونوا بحاجة إلى الإجابة عن سؤال: “من أنتم؟”، فقد أجاب عن ذلك تاريخ المحاماة، وأجاب عنه نضال أجيال من رجال ونساء الدفاع، وأجاب عنه الملك الراحل الحسن الثاني منذ سنة 1993 حين اعتبر الانتماء إلى أسرة المحامين شرفا.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد